الصالحي الشامي

422

سبل الهدى والرشاد

سفينة غصبا " أي سفينة صالحة وغير ذلك مما استدل عليه من جوه الاعجاز ، وبلاغته الخارقة لعادة العرب في عجائب تراكيبهم ومنها صورة نظمه العجيب ، والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ، ومنهاج نظمها ونثرها ، الذي جاء عليه ووقفت عليه مقاطع آياته ، وانتهت إليه فواصل كلماته ، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له ، ومنها : ما انطوى عليه من الاخبار بالمغيبات ، وما لم يكن موجودا فوجد كما ورد . ومنها إنباؤه عن أخباره الماضية والأمم البائدة والشرائع السالفة ما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أخبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك ، فيورده سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على وجهه ، ويأتي به على نصه ، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب . ومنها : ما تضمنه عن الاخبار بالضمائر كقوله تعالى ( إذ همت طائفتان منكم ) ( آل عمران / 122 ) وقوله : ( يقولون في أنفسهم لو يعذبنا بما نقول ) ( المجادلة : 8 ) . ومنها آي وردت بتعجيز قوم في قضايا وإعلامهم أنهم لا يفعلونها ، فما فعلوا ، ولا قدروا على ذلك كقوله في اليهود : ( ولن يتمنوه أبدا ) ( البقرة / 95 ) . ومنها ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة . ومنها : الروعة التي تلحق قلوب سامعه عند سماعهم والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته ، كما وقع لجبير بن مطعم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب والطور ، فلما بلغ هذه الآية ( أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون ) إلى قوله " المسيطرون " ( الطور / 35 - 37 ) كاد قلبي ( . . . ) أن يطير ، قال : ذلك أول ما وقر الاسلام في قلبي ، وقد سمع غير واحد آيات منه ، فمات لوقته ، وألف بعضهم كتابا فيمن قتله القرآن . ومنها : أن قارئه لا يمله ، وسامعه لا يمجه ، بل الاكباب على تلاوته ، يزيده حلاوة . وترديده يوجب له محبة وغيره من الكلام يعادى إذا أعيد ، ويمل مع ا لترديد ، ولهذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن بأنه لا يخلق على كثرة " الترداد " . ومنها : كونه آية باقية لا يعدم ما بقيت الدنيا مع تكفل الله عز وجل بحفظه ، ومنها جمعه لعلوم ومعارف لم يجمعها كتاب من الكتب ، ولا أحاط بعلمها أحد ، في كلمات قليلة ، وأحرف معدودة . ومنها جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة ، وهما كالمتضادين لا يجتمعان في كلام البشر غالبا . ومنها جعله آخر الكتب غنيا عن غيره ، وجعل غيره من الكتب قد يحتاج إليه كما قال